مركز الثقافة والمعارف القرآنية

86

علوم القرآن عند المفسرين

« لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي عبدا فهما في كتابه » . ورووا عن الصادق عليه السّلام إنه قال : « كتاب اللّه على أربعة أشياء : العبارة والإشارة واللطائف والحقائق ، فالعبارة للعوام والإشارة للخواص واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء » . أقول : وتحقيق القول في المتشابه وتأويله يقتضي الإتيان بكلام مبسوط من جنس اللباب وفتح باب من العلم ينفتح منه لأهله الف باب . فنقول وباللّه التوفيق : إن لكل معنى من المعاني حقيقة وروحا وله صورة وقالب وقد تتعدد الصور والقوالب لحقيقة واحدة ، وإنما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ، ولوجودهما في القوالب تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لاتحاد ما بينهما ، مثلا لفظ القلم إنما وضع لآلة نقش الصور في الألواح من دون أن يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك ، بل ولا أن يكون جسما ولا كون النقش محسوسا أو معقولا ولا كون اللوح من قرطاس أو خشب ، بل مجرد كونه منقوشا فيه ، وهذه حقيقة اللوح وحده وروحه ، فإن كان في الوجود شيء يستطر بواسطة نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم ، فان اللّه تعالى قال : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ « 1 » ، بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحدّه من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه ، وكذلك الميزان مثلا فإنه موضوع لمعيار تعرف به المقادير وهذا معنى واحد هو حقيقته وروحه ، وله قوالب مختلفة وصور شتّى بعضها جسماني وبعضها روحاني ، كما توزن به الأجرام والأثقال مثل ذي الكفتين والقبان وما يجري مجراهما ، وما توزن به المواقيت والارتفاعات كالأسطرلاب ، وما توزن به الدوائر والقسي كالفرجار ، وما توزن به الأعمدة كالشاقول ، وما توزن به الخطوط كالمسطر ، وما توزن به الشعر كالعروض وما توزن به الفلسفة كالمنطق ، وما توزن به بعض المدركات كالحس والخيال ، وما توزن به العلوم والأعمال ، كما يوضع ليوم القيامة ، وما يوزن به الكل كالعقل الكامل إلى غير ذلك من الموازين . وبالجملة : ميزان كل شيء يكون من جنسه . ولفظة الميزان حقيقة في كل منها باعتبار

--> ( 1 ) سورة العلق : الآية 4 - 5 .